خلية (بدّها دور)
في مسرحية الأديب والمسرحي الإيطالي لويجي بيرانديللو (ست شخصيات تبحث عن مؤلف)، كانت الشخصيات تبحث عمّن يمنح حكايتها مكانًا على الخشبة. ولو عاش الرجل بيننا اليوم، فلعلّه وجد مادةً لعمل جديد لا يحتاج كثيرًا من الخيال: شخصيات تبحث عن دور. ومن هنا، ومن غير إطالة في التعريف، نصل إلى خلية (بدّها دور)؛ فالاسم أحيانًا يختصر سيرةً كاملة.
لن نفتش الآن في سجل المواقف، فذلك باب يصلح لسجال آخر. يكفينا ما يُتداول عن “ملف قضائي دسم”، و“دعاوى بالجملة”، وتسعة محامين، وحكم منتظر سيصبح “صخرة صلبة” تُبنى عليها الدعاوى. مشهد مهيب، لولا أن القانون قليل الذوق أمام الاستعراضات، ويصر على سؤال بارد: من سيدّعي، وبأي صفة؟
فالادعاء الشخصي ليس جائزةً للأكثر غضبًا، ولا بطاقة عضوية يحصل عليها كل من تابع قضية وكتب عنها. ثمة متضرر، وثمة صفة، وثمة ضرر يُقال إن الجرم أصابه به. أما من علم بواقعة يعتقد أنها تشكل جرمًا من غير أن يكون هو المتضرر، فباب الإخبار إلى النيابة العامة مفتوح. وهنا لا يصنع الرقم تسعة معجزة قانونية؛ فالصفة لا تتكوّن بالتقسيط، ولا يأتي المحامي الأول بعُشرها ثم يضيف الثامن شيئًا منها حتى تكتمل عند التاسع. إذا كانت موجودة ظهرت، وإن لم تكن فلن يخلقها ازدحام الوكلاء.
أما “الصخرة الصلبة”، فلنرها أولًا. فالقضاء ما زال، على ما يبدو، متمسكًا بعادة قديمة لا تناسب عصر الترند: أن يصدر الحكم قبل أن نعرف ماذا حكم. وربما كان من الحكمة أن ننتظر الصخرة قبل أن نختلف في صلابتها، بدل أن نرسم فوقها البناء وهي لا تزال في الغيب.
وكان للعرب، في استعجال النتائج، قول لا يخلو من خبث لغوي: “أنكحنا الفَرا فسنرى”. ونحن سنرى؛ فقد يظهر أن الملف دسم فعلًا، وأن الصفة قائمة، وأن “الصخرة” أصلب مما ظن الساخرون، وعندها تذهب السخرية إلى حيث تستحق. وقد ينقشع المشهد عن شيء أقل فخامة بكثير: نحّول غاضب لم يجد لنفسه دورًا. وبعد كل هذه الجعجعة، سنرى إذا ما انقشع الغبار: أفرسٌ تحتك أم حمارٌ؟